السيد محمد الصدر
144
منة المنان في الدفاع عن القرآن
الأُطروحة الثانية : أنَّهما مادّةٌ واحدةٌ ومن منشأٍ واحدٍ ، وأصله الشفق بمعنى : الحمرة ، ولابدّ أنَّ أحدهما أصلٌ والآخر فرعٌ ، ولا يمكن أن يكون كلٌّ منهما أصلًا . فعلى هذا المعنى يكون بينهما تباينٌ ، أي : إنَّ أحدهما بالأصل حقيقي والآخر مجازي ، ثُمَّ أصبح حقيقيّاً بسبب كثرة الاستعمال . والأصل هو الحمرة ، وأصله الشفق بمعنى الحمرة ، وهي اختلاط الضوء بالظلام . وحينئذٍ نطبّقه على الشفقة ، والشفقة اختلاط ضوء المحبّة بظلام الخوف ، وفيه أيضاً نحو شفقٍ ، لكنّه شفقٌ باطني ، وليس شفقاً ظاهريّاً . ويؤيّد هذه النقطة : أنَّه وضعٌ واحدٌ وجامعٌ معنوي أو مشتركٌ معنوي بينهما . والوجه فيه : أنَّ الشفقة والشفق مذكّر ومؤنّث ، وقد أضفنا إليه فقط تاء التأنيث ، فهل من المحتمل أنَّنا عندما نضيف تاء التأنيث يكون معنىً مبايناً ؟ ولعلّ نظيره قولهم : تمر وتمرة . فمن هذه الناحية لا يحتمل على كلّ حالٍ الاستبعاد إلى درجة الظنّ الراجحة ، والاطمئنان أنَّ المؤنث لا يكون مبايناً للمذكّر إلّا ما ندر ، ولعلّ هذا من النادر ، إلّا أنَّ هذا بمنزلة القرينة على وحدة الوضع ، لا بنحو الاشتراك اللفظي . وربما ينقض على ذلك ما ذكرناه قبل هذا الكلام من أنَّ هناك قرينتين لغويّتين متعارضتين : ( الشفق ) و ( الشفقة ) أحدهما مؤنّثٍ والآخر مذكّر ، أحدهما لازمٌ والآخر متعدٍّ ، إذن هما اثنان وليسا أمراً واحداً ، وهذه قرينةٌ على ذلك . فماذا نفعل في المقام ؟ لا أقلّ أنَّنا نسقط هذه القرينة التي مفادها أنَّ المذكّر والمؤنّث واحدٌ فنسقطها ، ولا نقول بوحدتها ؛ لأنَّ هذا مشتقٌّ والآخر غير مشتقٍّ ، ما يقلّل من احتمال وحدة المذكّر والمؤنّث طبعاً . الأُطروحة الثالثة - وهي أدون من سابقتيها - : أن يكون لهما أصلٌ واحدٌ وجامعٌ واحدٌ ، كما قلنا في الأُطروحة السّابقة ، لكنّنا في الأُطروحة